عبد الوهاب الشعراني
59
تنبيه المغترين
قد سبقته إلى الذنوب ، وإذا أكرمك الناس فقل هذا من فضل اللّه عليّ لا أستحقه وإذا أهانوك فقل هذا بذنب أحدثته وإذا رميت كلب جارك بحصاة فقد آذيته . وكان وهب بن منبه يقول : لما أكثر بنو إسرائيل المسائل على موسى عليه الصلاة والسلام وأبرموه أوحى اللّه تعالى في يوم واحد إلى ألف نبي ليكونوا أعوانه له تكرمة لموسى ، فمال الناس إليهم فوجد موسى من نفسه غيرة فأماتهم اللّه في يوم واحد ، قلت : غيرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام محمودة لخروجهم من حظ النفوس بالعصمة وليست إماتة اللّه تعالى لهؤلاء الأنبياء عقوبة ، وإنما ذلك لما سبق في علمه تعالى من انتهاء آجالهم بعد معاونتهم موسى عليه الصلاة والسلام ، وكان محمد بن واسع يقول : لا يبلغ العبد مقام الإحسان حتى يحسن إلى كل من صحبه ولو ساعة ، وكان إذا باع شاة يوصي بها المشتري ويقول : قد كان لها معنا صحبة . وكان حاتم الأصم يقول : قد قلت أخلاق الرجال في ثلاث : تعظيم أخلاق الإخوان ، وستر معايبهم ، واحتمال أذاهم ، وكان يحيى بن معاذ يقول : بئس القوم قوم إن استغنى بينهم المؤمن حمدوه وإن افتقر أذلوه ، وما مشى صغير قدام كبير إلا عوقب بحرمان الخيرات ، ومدحوا عند الفضيل بن عياض رجلا وقالوا إنه لا يأكل الخبيص ، فقال : وما ترك أكل الخبيص انظروا كيف صلته للرحم ، انظروا كيف كظمه للغيظ ، انظروا كيف عطفه على الجار والأرملة واليتيم ، انظروا كيف حسن خلقه مع إخوانه . وكان أحمد بن حرب يقول : مثل الذي يعلم الناس الخير ويرشدهم إليه مثل من استأجر أجراء يعملون له بأبدانهم وأموالهم الليل والنهار في حياته وبعد مماته ، وسمع يحيى بن معاذ رجلا يتمنى مالا فقال له : ماذا تصنع به ؟ فقال : أجود به على المقلين ، فقال دع المقلين تكون مؤنتهم على اللّه لتصير تحبهم فإنهم إذا صارت مؤنتهم عليك أبغضتهم وثقلوا على قلبك ، وكان يقول من تعظيم أخيك المسلم إذا مات له ميت في بلد أخرى أن تسافر إلى تعزيته ، وقد خرج أبو معاوية الأسود من الشام إلى مكة ليعزي الفضل في ولده علي ، ولم يخرج لحج ولا عمرة وكان أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه يقول : من سره أن يظله اللّه تعالى من نار جهنم يوم القيامة فليكن بالمؤمن رحيما رقيق القلب . وكان محمد بن المنكدر يقوم الليل ، وإذا طلبت أمه أن يغمز رجلها إلى الصباح يرى ذلك أفضل من صلاته ، قلت : وقد قالوا مثل ذلك في حق شيخ الإنسان ، وكان كهمس بن